ابن الجوزي
204
صيد الخاطر
أترى كم بين العابد إذا نزلت به حادثة وبين الفقيه ؟ باللّه لو مال الخلق إلى التعبد لضاعت الشريعة ، على أنه لو فهم معنى التعبد لم يقتصر به على الصلاة والصوم فرب ماش في حاجة مسلم فضل تعبده ذلك على صوم سنة . والعمل بالبدن سعي الآلات الظاهرة ، والعلم سعي الآلات الباطنة . من العقل والفكر والفهم ، فلذلك كان أشرف . فان قلت : كيف تذم المعتزلين للشر إلى التعبد ؟ قلت : ما أذمهم ، بل حدثت منهم حوادث اقتضاها الجهل من الدعاوى والآفات التي سببها قلة العلم ، وحملوا على أنفسهم ( التي ليست لهم وعن غير اذن الآمر ) ما لم يجز ، حتى أن أحدهم يرى أن فعل ما يؤذي النفس على الاطلاق فضيلة حتى قال بعض الحمقى : دخلت الحمام فوجدت غفلة ، فآليت أن لا أخرج حتى أسبح كذا وكذا تسبيحة ، فطال الأمر فمرضت . وهذا رجل خاطر بنفسه في فعل ما ليس له . ومن المتصوفة والزهاد من قنع بصورة اللباس ، وركب من الجهل في الباطن ما لا يسعه كتاب . طهر اللّه الأرض منهم وأعان العلماء عليهم ، فان أكثر الحمقى معهم ، فلو أنكر عالم على أحدهم مال العوام على العالم بقوة الجهل . ولقد رأيت كثيرا من المتعبدين وهو في مقام العجائز يسبح تسبيحا لا يجوز النطق به ، ويفعل في صلاته ما لم ترد به السنة . ولقد دخلت يوما على بعض من كان يتعبد ، وقد أقام إماما وهو خلفه في جماعة يصلي بهم صلاة الضحى ويجهر فقلت لهم : إن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : صلاة النهار عجماء . فغضب ذلك الزاهد وقال : كم ينكر هذا علينا . وقد دخل فلان وأنكر وفلان وأنكر ، نحن نرفع أصواتنا حتى لا ننام . فقلت : وا عجبا ومن قال لكم لا تناموا ؟ أليس في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال له : قم ونم وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ينام ، ولعله ما مضت عليه ليلة إلا ونام فيها . ولقد شاهدت رجلا كان يقال له حسين القزويني بجامع المنصور وهو يمشي في الجامع مشيا كثيرا دائما ، فسألت ما السبب في هذا المشي ؟ فقيل لي : حتى لا ينام . وهذه كلها حماقات أوجبها قلة العلم ، لأنه إذا لم تأخذ النفس حظها من النوم اختلط العقل ، وفات المراد من التعبد لبعد الفهم .